أهلاً وسهلاً بك زائرنا الكريم .. أهلاً بكم فى منتدى هويدى ..
للتصفح الكامل ومشاهدة كافة المواضيع والروابط يُرجى التسجيل بالمنتدى



 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول
إعلان هام : إلى السادة الأعضاء والمسجلين الجدد والزوار بمنتدى هويدى ، أهلاً وسهلاً بكم فى ( منتدى هويدى للمعارف والعلوم القانونية ) فى ثوبه الجديد وبأحدث التقنيات ونسخته الماسية .. ندعوكم للتسجيل بالمنتدى الجديد والإستفادة بأعمالكم ومنشوراتكم .. إضغط هنا لتحويلك للمنتدى الجديد .. نتشرف بكم دائماً أعضاءً وزوار ..

شاطر | 
 

 إياك والحسد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خالد عزيز
عضو مبتدئ
عضو مبتدئ
avatar

عدد المساهمات : 10
نقاط : 30
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 16/03/2010

مُساهمةموضوع: إياك والحسد   الأحد 21 مارس 2010, 3:42 pm



إياك والحسد


الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون , لا يحصي عددَ نعمته العادون، ولا يؤدي حق شكره المتحمدون، ولا يبلغ مدى عظمته الواصفون، بديع السموات والأرض، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون.
سبحانه مفرِّج الكربات، وغافر الخطيئات، وقاضي الحاجات، ومستجيب الدعوات. وكاشف الظلمات، ودافع البليات، وسائر العورات، ورفيع الدرجات، وإله الأرض والسموات. وعليه الاعتماد والمُتكل، فهو الذي إذا شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل ولا يُبْرمه سؤال مَن سأل.
وأثني وأسلم على المصطفي الأمين شفيعنا يوم الدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المجاهدين المخلصين ومن سار على نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا .
وبعد . . . ؛
فإن الحسد داء عضال, وشر وبيل يضر بصاحبه قبل أن يضر بالآخرين , وأول خطيئة كانت في الوجود هي خطيئة الحسد حيث حسد إبليس آدم وأبي أن يسجد له فحمله الحسد على المعصية , وكان سبباً في طرده من رحمة الله تعالى , كما أن أول جريمة حدثت على ظهر الأرض كانت بسبب الحسد حينما حسد قابيل أخاه هابيل , ولقد نهى الإسلام عن الحسد وحذر منه لما له من خطر على الدين , قال تعالى ذماً لأهل الكفر والضلال {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (109) سورة البقرة.
والمسلم يستعيذ بالله من شر الحسد, قال تعالى: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (5) سورة الفلق.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يزال فيهم الخير والصلاح ما لم ينتشر بينهم الحسد والبغضاء.
عَنْ ضَمُرَةَ بن ثَعْلَبَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوا". أخرجه الطبراني (8/309 ، رقم 8157) . قال الهيثمى (8/78) : رجاله ثقات, السلسلة الصحيحة 9/172.
والحاسد يضر نفسه قبل أن يضر غيره فيظل في عذاب دائم وفي ألم مستمر وفي حزن متواصل,وهو صاحب قلب ميت ونفس خبيثة , وقديما قيل : " لا راحة مع الحسد " .
ولقد انتشر هذا الداء بين الناس اليوم , ولا يكاد يخلو جسد من حسد , بل وأصبح الناس – ولا حول ولا قوة إلا بالله - لا يحسدون الأحياء فقط, بل وصل الحسد إلى الأموات, فيقولون كان مشهد فلان ( أي جنازته ) كيت وكيت , وصلى عليه فلان وفلان , وترك كذا وكذا , قال الشاعر :
همْ يحسدوني على موتي فوا أسفاً * * * حتى على الموتِ لا أخلو مِنَ الحسدِ
وهذا كله من ضعف الإيمان, ومن عدم الرضا واليقين بما وهب الرحمن المنان .
1- تعريف الحسد:
قال ابن الأثير: الحسد : هو أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه. ( النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (1/383).
وقال ابن حجر رحمه الله : الحسد تمني زوال النعمة عن مستحق لها .( فتح الباري (10/481).
وقال النووي رحمه الله : الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها ، سواء كانت نعمة دين أو دنيا . رياض الصالحين (ص : 466).
ولقد وردت كلمة الحسد في القرآن الكريم بمشتقاتها المختلفة خمس مرات.
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: أصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمنى زوالها , فالحاسد عدو النعم، وهذا الشر هو من نفسه وطبعها، وليس هو شيئا اكتسبه من غيرها، بل هو من خبثها وشرها. ( التفسير القيم صـ 583 ).
وقال صاحب الظلال في تعريف الحسد: هو انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده مع تمنى زوالها، وسواء اتبع هذا الحاسد هذا الانفعال بسعي منه لإزالة النعمة تحت تأثير الحقد والغيظ، أو وقف عند حد الانفعال النفسي، فإن شراً يمكن أن يعقب هذا الانفعال . أهـ تفسير الظلال (6/4008).
حقيقة الحسد والحاسد :
وحقيقة الحسد : بغض نعمة الله على العبد وإن لم يتمنَّ زوالها ,قال الحسن رحمه الله : ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد ، نغص دائم وحزن لازم .
والحسد كما هو حقيقة شرعية فهو حقيقة علمية, فإن الله ـ تبارك وتعالى ـ ما ذكر شيئا في كتابه الكريم إلا وله شأن وحكم وحكمة، فالحسد جاء ذكره في القرآن وفي السنة النبوية الشريفة، وذلك يعنى أنه طبيعة قائمة في نفوس الناس الذين لا يتقون الله فيحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وهذا من حيث الاعتقاد لا مراء فيه ولا جدال عليه، ولكن تُرى هل له من القطعيات العلمية اليقينية ما تؤكد مصداقية حدوثه وإنه حق .
قال ابن القيم( كما في التفسير القيم صـ573، والطب النبوي صـ231): "أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك أوهام لا حقيقة لها، وهؤلاء من أجهل الناس بالسمع والعقل، ومن أغلظهم حجاباً وأكثفهم طباعاً وأبعدهم عن معرفة الأرواح والنفوس وأفعالها وتأثيراتها، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه ووجهة تأثير العين، ثم قال: " وقد دلّ القرآن والسنة على أن نفس حسد الحاسد يؤذي المحسود " أهـ
مما لا ريب فيه ولا يختلف عليه إنس ولا جان بأن للإنسان روحاً تحكمه وتهيمن عليه، وهي سر حياته ونبض فؤاده وهذه الروح كالملائكة والجن لا تُرى وإن كانت مثلهم حقيقة لا خيالاً، وواقعاً لا محالاً، وهذه الروح تتأثر بروحانيات وأمور شتى ينتج عن ذلك تقلبات وتغيرات في الإنسان، فالحزن مثلاً شيء وجداني قد يصل به الأمر أن يدمر الإنسان إن استمر ودام، وكذلك السرور والفرح قد يؤثران على الإنسان بما يبهج حياته ويدعم صحته ويطيل في عمره بإذن الله ويحرك فيه طاقات وطاقات .
هكذا إن تسلط شيطان منطلق من عين حاسد يريد نشر الشر بين الناس ويتمنى زوال ما أنعم الله عليهم فإن ذلك الخفي الشرير إبليس يحدث اضطرابا في صاحب النعمة، أو في ذات النعمة فيُخرِّبها ويهلكها بقوة خفية تحركت باديء ذي بدء من هذا الحاسد المطيع للشيطان .
قال الدكتور فيكتور يوشيه:" إن الحسد والغيرة والحقد أقطاب ثلاثة لشيء واحد، وإنها لآفات تنتج سموماً تضر بالصحة وتقضي على جانب كبير من الطاقة والحيوية اللازمتين للتفكير والعمل ". (القرآن والعلم للدكتور / عبد الرزاق نوفل صـ 28).
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: فلله كم من قتيل، وكم من سليب، وكم من معافٍ، عاد مضني على فراشه ؟
يقول طبيبه: لا أعلم داءه ما هو ؟ فصدق، ليس هذا الداء من علم الطبائع، فهذا من علم الأرواح وصفاتها وكيفياتها ومعرفة تأثيراتها في الأجسام والطبائع وانفعال الأجسام عنها، وهذا علم لا يعرفه إلا خواص .

وقال الجاحظ عن حقيقة الحاسد : ( هو الكلب الكلِب ، والنمر الحرِب ، والسم القشِب ، والفحل القطِم ، والسيل العرم ، إن مَـلَـكَ قتل وسبا ، وإن مُلِك عصى وبغى ، حياتك موته وثبوره ، وموتك عرسه وسروره ، يصدق عليك كل شاهد زور ، ويكذب فيك كل عدل مرضيّ ، لا يحب من الناس إلا من يبغضك ، ولا يبغض إلا من يحبك ...، إنك غير سالم منه وإن رفعت القذى عن لحيته ، وسويت عليه ثوبه فوق منكبه ، ولبست ثوب الاستكانة عند رؤيته ، واغتفرت له الزلة بعد زلته ، واستحسنت كل ما يقبح من شيمه ، وصدقته على كذبه ، وأعنته على فجرته ، فما هذا العناء ؟ وما هذا الداء العياء ؟ ... ، إنه لا يأتيك ولكنه يناديك ، ولا يحاكمك ولكنه يوازنك ، أحسن ما تكون عنده حالاً : أقل ما تزيد مالاً ، وأكثر ما تكون عيالاً ، وأعظم ما تكون ضلالاً . وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهداً وأبعد ما تكون من الناس حمداً ، فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الأموات ، ومخالطة الزمنى ، والاجتنان بالجدران ، ومص المصران ، وأكل القردان ، أهون من معـاشرة مثله ، والاتصال بحبله ) رسالة الحاسد والمحسود (ص: 26 – 29).
قال الشافعي رحمه الله تعالى :
وداريت كل الناس لكن حاسدي *** مداراته عزَّت وعزَّ منالها
وكيف يداري المرء حاسد نعمةٍ *** إذا كان لا يرضيه إلا زوالها ؟
الفرق بين الحسد والعين :
من أهم الفروق التي ذكرها أهل العلم كابن الجوزي وابن القيم وابن حجر والنووي وغيرهم ـ رحمهم الله جميعاً ـ
1ـ الحاسد أعم من العائن، فالعائن حاسد خاص، فكل عائن حاسد وليس كل حاسد عائناً، ولذلك جاء ذكر الاستعاذة في سورة الفلق من الحاسد، فإذا استعاذ المسلم من شر الحاسد دخل فيه العائن، وهذا من شمول القرآن وإعجازه وبلاغته.( التفسير القيم:759 ).
2ـ الحسد يتأتى عن الحقد والبغض وتمني زوال النعمة، أما العين فيكون سببها في الغالب الإعجاب والاستعظام والاستحسان .
3ـ الحسد والعين يشتركان في الأثر حيث يسببان ضرراً للمعين والمحسود، ويختلفان في المصدر، فمصدر الحسد تحرُّق القلب واستكثار النعمة على المحسود، وتمنى زوالها عنه، أما العائن فمصدره انقداح نظرة العين، لذا فقد يصيب من لا يحسده من جماد أو حيوان أو زرع أو مال، وربما أصابت عينه نفسه، فرؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين .(التفسير القيم:577، وبدائع الفوائد جـ2صـ 231).
4ـ الحاسد يمكن أن يحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه،أو يحصل عند غيبة المحسود وحضوره بينما العائن لا يعين إلا الموجود بالفعل , قال تعالى : {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم.
5ـ لا يحسد الإنسان نفسه ولا ماله ولكنه قد يعينهما .
6ـ لا يقع الحسد إلا من نفس خبيثة حاقدة، ولكن العين قد تقع من رجل صالح من جهة إعجابه بالشيء دون إرادة منه إلى زواله، كما حدث من عامر بن ربيعة عندما أصاب سهل بن حنيف بعين برغم أن عامراً  من السابقين إلى الإسلام، بل ومن أهل بدر .
2- أسباب الحسد:
أول من وقع في قلبه الحسد إبليس – عليه لعنة الله – فقد حسد آدم – عليه السلام – لأن الله اجتباه بالخلافة، وأمر الملائكة أن تسجد له، عند ذلك اضطرمت واشتعلت نار الحقد والحسد في أحشاء إبليس فتكبر عن أمر الله كما قال ربنا: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } ( البقرة: 34 ).
وكانت النتيجة أن طرده الله من الجنة، كما قال تعالى: { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ{12} قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ{13} قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ{14} قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ{15} قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ {16} ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } ( الأعراف 17:12 ).
وقول إبليس – لعنه الله –:{وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } أي أنه توعد بأن يجعلهم من الحاسدين .
قيل لما ركب نوح السفينة، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، كما أمر، فرأى في السفينة شيخاً لم يعرفه، فقال له نوح: " ما أدخلك؟ قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك، فتكون قلوبهم معي، وأبدانهم معك، قال نوح: " اخرج منها يا عدو الله فإنك رجيم، " وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين " ، فقال إبليس: خمس أهلك بهن الناس، وسأحدثك منهن بثلاث، ولا أحدثك بالثنتين، فأوحى الله إلى نوح أنه لا حاجة بك إلى الثلاث، مره يحدثك بالثنتين، قال: فهما أهلك للناس، وهما لا يكذبان، هما اللتان لا يخلفاني: الحسد، وبالحسد لعنت، وجعلت شيطاناً رجيماً، والحرص، أتيح آدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص.( ابن منظور : مختصر تاريخ دمشق 8/38).
وكل ذي نعمة محسود قال أبو تمام الطائي :
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ *** طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار في جزل الغضا *** ما كان يعرف طيب ريح العودِ
لولا التخوف للعواقب لم يزل *** للحاسد النعمى على المحسودِ
وللحسد أسباب كثيرة منها :
1) عدم الرضا والقناعة بما قسمه الله تعالى.
فالحسود عدو النعمة ، غضبان على القدر . قال ابن مسعود رضي الله عنه : ألا لا تعادوا نعم الله ، قيل : ومن يعادي نعم الله ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله . القرطبي : الجامع لأحكام القرآن 1/1409.
فإن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: ردّه لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود بشرّ منه؛ فقلبه يحترق حقداً. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة التي تسبقها عقوبتها؛ لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة؛ لأن الحقد يحرق لبه وربما قال قائل: وما ذنب المحسود؟.. ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ليقتله به؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه به، وليس له أن يستعمله في باطل. تفسير الشعراوي 54/335.
قال الشاعر :
حَسَدُوا الفتى إذْ لم ينالوا سعيَهُ * * فالناسُ أعداءٌ لهُ وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قُلْن لوجهِهَا * * حسداً ومقتاً إنهُ لذميمُ
2) الكبر والعجب بالنفس :
فإذا كان الحاسد معجباً بنفسه رأى أنه أحق بالنعم من غيره, وأن غيره لا يستحق هذه النعم ؛ لأنه – فيما يخيل له – أذكر وأعقل منه , وينسى أن الأرزاق أقدار من الله وأسباب , وليست فهماً ولا حجا .
قال أبو تمام :
يَنَالُ الْفَتَى مِنْ عَيْشِهِ وَهُوَ جَاهِلُ * * وَيُكْدِي الْفَتَى مِنْ دَهْرِهِ وَهُوَ عَالِمُ
وَلَوْ كَانَتْ الأرزاق تَجْرِي عَلَى الْحِجَا * * هَلَكْنَ إذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ الْبَهَائِمُ
3) خبث النفس :
فبعض النفوس نعوذ بالله منها لا تتمنى لأحد خيراً أبداً ، بل ربما تتمنى الشر لمن أحسن إليها لخبث دفين فيها .ولقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الناس ما كان قلبه طاهرا ونفسه طيبة ؛ لا يحقد ولا يحسد . عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو . قال:قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ . قَالُوا : صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ ، لاَ إِثْمَ فِيهِ ، وَلاَ بَغْيَ ، وَلاَ غِلَّ ، وَلاَ حَسَدَ.أخرجه ابن ماجة (4216) السلسلة الصحيحة" 2 / 669.
وذكرت كتب السنة هذه القصة الرائعة في فضل سلامة الصدر ونبذ التحاسد والتباغض , عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ:بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ، تَنْطُِفُ لِحْيَتُهُ مَاءً مِنْ وَضُوئِهِ ، مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ مَرْتَبَتِهِ الأُولَى ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَالَ : إِنِّي لاَحَيْتُ أَبِي ، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَحِلَّ يَمِينِي فَعَلْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ، قَالَ أَنَسٌ : فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ : أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ لَيْلَةً ، أَوْ ثَلاَثَ لَيَالٍ ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ بِشَيْءٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ وَكَبَّرَ ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ ، فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ : غَيْرَ أَنِّي لاَ أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيْرًا ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَلاَثُ لَيَالٍ كِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ ، قُلْتُ : يَا عَبْدَ اللهِ ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ وَالِدِي غَضَبٌ وَلاَ هَجْرَةٌ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول لك ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، فِي ثَلاَثِ مَجَالِسَ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ تِلْكَ الثَلاَثَ مَرَّاتٍ ، فَأَرَدْتُ آوِي إِلَيْكَ ، فَأَنْظُرَ عَمَلَكَ ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَبِيرَ عَمَلٍ ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ ، فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي ، فَقَالَ : مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ ، غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ فِي نَفْسِي غِلاًّ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلاَ أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو : هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ، وَهِيَ الَّتِي لاَ نُطِيقُ.
أخرجه أحمد 3/166(12727) وقال محققه شعيب الأرناؤط : إسناده صحيح على شرط الشيخين , ورواه الترمذي ( 3694 ) و"النَّسائي" ، في "عمل اليوم والليلة" 863 , والطبراني والحاكم في المستدرك ( 3/73 ) وصححه ووافقه الذهبي .
4) تفوق المحسود بفضل يعجز عنه الحاسد :
كالعلم أو المال أو الأدب , أو الجاه , أو الوجاهة... إلخ .
قال معن بن زائدة :
إني حُسِدتُّ فزاد الله في حسدي *** لا عاش من عاش يوماً غير محسودِ
ما يحسد المرء إلا من فضائله *** بالعلم والظُّرف أو بالبأس والجودِ
5) حب الرياسة :
فإذا كانت النفس مريضة بحب التصدر والرياسة فإنها تحسد كل من تشعر أنه يزاحمها ويضايقها في الوصول إلى المناصب ، ومن ثم تسعى لإسقاط الطرف الآخر لتتفرد هي بالرياسة ، وهذا هو الذي دعا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعداوة النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يتأهب ليكون رئيساً على المدينة ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تركه الناس وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والتفوا حوله فحسده عبد الله بن أبي على ذلك ثم بذل جهده في محاربة الإسلام .
وكما حكى القرآن عن قوم فرعون: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ{45} إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ{46} فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} ( المؤمنون:45ـ47 ).
وكذلك كان الكِبْرُ سبباً في حسد كفار مكة للنبي  حيث قالوا: يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي.
وحكى القرآن عنهم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } (الزخرف:31).
6) التنافس في عمل واحد :
فهذا مما يسبب الحسد في كثير من الأحوال ، حيث تجد التاجر يحسد التاجر ، والمزارع يحسد المزارع ، والعالم يحسد العالم ، والواعظ يحسد الواعظ وقلَّ أن تجد عالماً يحسد طبيباً ، أو مهندساً يحسد مزارعاً إلا لأغراض أخرى . كان ابن سيرين ـ رحمه الله ـ يقول: " ما حسدت أحدا أبداً على شيء من أمور الدنيا، ذلك أنه مهما أوتي من الدنيا فلو كان مصيره الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهى حقيرة في الجنة ؟ وإن كان مصيره إلى النار فكيف أحسده على الدنيا وهو صائر إلى النار ؟.
7) الخوف من فوت المقاصد :
فإذا كان الحاسد مشتهراً بأمر ، حتى صار الناس يتزاحمون عليه بسببه ، وصار اسمه مذكوراً على جميع الألسن ، واشتهر أمره ، ثم برز من يساويه أو يتفوق عليه في ذلك الأمر تراه يحسده ويتمنى أن ينتقل إلى مكان آخر ، أو أن ينجفل الناس عنه ، خوفاً من فوات مقصده من الشهرة والمال والثناء وغير ذلك كما حدث مع إخوة يوسف في تنازعهم على حب أبيهم: { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } (يوسف:Cool.
وقال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ * * * طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت * * * ما كان يعرف طيب عرفِ العود
Cool تسبب المحسود نفسه في حسد الناس له :
وذلك عن طريق المبالغة في إظهار نعم الله تعالى عليه كالمبالغة في إظهار نعمة المال أو الصحة أو الذكاء أو الجمال أو قوة الذاكرة ...إلخ.
ومن هنا فقد روي من حديث معاذ بن جبل و علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس و أبي هريرة و أبي بردة مرسلا " استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود " .
الطبراني (20/94 ، رقم 183) ، والبيهقى في شعب الإيمان (5/277 ، رقم 6655) , الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 943 في صحيح الجامع.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : ( ينبغي لمن تظاهرت نعم الله عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها ولا يكشف جملتها ، وهذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها فإن العين حق ، وإني تفقدت النعم فرأيت إظهارها حلواً عند النفس ، إلا أنها إن أظهرت لوديد لم يؤمن تشعث باطنه بالغيظ ، وإن أظهرت لعدو فالظاهر إصابته بالعين لموضع الحسد ، إلا أنني رأيت شر الحسود كاللازم ، فإنه في حال البلاء يتشفى ، وفي حال النعم يصيب بالعين ) صيد الخاطر (ص : 177).
قال الشاعر :
إني لأرحم حاسديَّ لفرط ما *** ضمت صدورهمُ من الأوغارِ
نظروا صنيع الله بي فعيونهم *** في جنة وقلوبهم في نارِ
وقال الجاحظ : ( أما أنا فحقاً أقول : لو ملكتُ عقوبة الحاسد لم أعاقبه بأكثر مما عاقبه الله به بإلزام الهموم قلبه وتسليطها عليه ، فزاده الله حسداً ، وأقامه عليه أبداً ) صيد الخاطر (ص : 21).
وقال الشافعي :
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ ** أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
إنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ** لِأَدْفَعَ الشَّرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَّاتِ
وَأُظْهِرُ الْبِشْرَ لِلْإِنْسَانِ أَبْغَضُهُ * * كَأَنَّمَا قَدْ حَشَى قَلْبِي مَحَبَّاتِ
النَّاسُ دَاءٌ دَوَاءُ النَّاسِ قُرْبُهُمْ * * وَفِي اعْتِزَالِهِمْ قَطْعُ الْمَوَدَّاتِ

3- أنواع الحسد:
الحسد نوعان: حسد مذموم، وحسد محمود.
أولاً: الحسد المذموم:
المقصود بالحسد المذموم هو أن يرى الإنسان نعمة على إنسان آخر فيكره ذلك ويتمنى زوالها عنه وانتقالها إليه. وهذا النوع من الحسد ذَمَّه اللَّه وحَرَّمه في كتابه وحذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة.
قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (109) سورة البقرة.
قال ابن كثير رحمه اللَّه: يحذر اللَّه تعالى عباده المؤمنين من سلوك الكفار من أهل الكتاب، ويُعْلِمُهم بعداوتهم لهم في الظاهر والباطن، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين. [تفسير ابن كثير جـ2 ص18].
وقال سبحانه: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (54) سورة النساء.
قال القرطبي: قوله تعالى: أم يحسدون يعني: اليهود، وقوله تعالى: الناس يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: حسدوه على النبوة، وأصحابه على الإيمان به.[تفسير القرطبي جـ5 ص252].
وللحسد المذموم مراتب منها :
المرتبة الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة عن الغير، وأن تنتقل إليه، ولذا يسعى بكافة السُّبُل المحرَّمة إلى الإساءة إليه ليحصل على مقصوده، كأن يحصل على داره، أو يجعله يطلِّق امرأته ليتزوجها، أو يكون صاحب منصب، فيحب أن يحصل عليه بدلاً من ذلك الغير. وهذه المرتبة هي الغالبة بين الحُساد.
المرتبة الثانية: أن يحب الإنسان زوال النِعْمة عن الغير، وإن كانت هذه النعمة لا تنتقل إليه، وهذه المرتبة في غاية الخُبْث ولكنها دون المرتبة الأولى.
المرتبة الثالثة: أن لا يحب الإنسان نفس هذه النعمة لنفسه، ولكنه يشتهي أن يكون لديه مثلها، فإن عجز عن الحصول على مثلها، أحب زوال هذه النعمة عن الغير كي لا يظهر التفاوت بينهما. [الإحياء للغزالي جـ3 ص298]
يروى عن ابن عمرـ رضي الله عنهما ـ : إن إبليس قال لنوح، اثنتان أهلك بهما بنى آدم، الحسد وبالحسد لُعِنْتُ وجُعِلْت شيطاناً رجيماً، والحرص وقد أُبيح لآدم الجنة كلها، فأصبت حاجتي منه بالحرص . ( أخرجه ابن أبي الدنيا )
ويقول ابن القيم كما في التفسير القيم صـ 584: للحسد ثلاث مراتب:
أحداها: بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها.
والثانية: تمنى استصحاب عدم النعمة . فهو يكره أن يُحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله، أو فقره، أو ضعفه، أو شتات قلبه عن الله، أو قلة دينه . فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مٌقَدّر، والأول حسد على شيء محقق . وكلاهما حاسد، وعدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله تعالى، وعند الناس، ولا يسود أبداً، ولا يواسى فإن الناس لا يُسوِّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يُسوِّدونه باختيارهم أبداً إلا قهراً، يعدونه من البلاء و المصائب التي ابتلاها الله بها، فهم يبغضونه وهو يبغضهم.
والثالثة: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة . وقد قال تعالى:{ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } (المطففين: 26) , وفي الصحيح عن النبي : أنه قال:" لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وسلطه على هَلَكَتْه في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضى بها ويعلمها الناس " ( متفق عليه ).
قال عروة بن أذينة:
لا يبعد الله حسادي وزادهم * * * حتى يموتوا بداء غير مكنون
إني رأيتهم في كل منزلةٍ * * * أجل فقداً من اللائي أحبوني


ثانيا: الحسد المحمود:
المقصود بالحسد المحمود هو أن يرى الإنسان نعمة على غيره، فيتمنى أن يكون له مثلها دون أن يكرهها أو يتمنى زوالها عن ذلك الغير. ( النهاية لابن الأثير جـ 1 صـ 383 ).
وهذا الذي قال عنه النبي  كما عند البخاري:" لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتى فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل أتاه الله مالاً فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل "( البخاري حديث 5026 )
ويسمى هذا النوع من الحسد المحمود بالغبطة أو المنافسة، ومن المعلوم أن المنافسة في عمل الخيرات وطلب الآخرة أمر حثنا عليه الله في كتابه والنبي  في سنته المطهرة ,قال تعالى: { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ( الحديد: 21),وقال سبحانه: { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } (المطففين: 26) ,روى أبو داود عن عمر بن الخطاب  قال: أمرنا رسول الله  أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله :" ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله. وأتي أبو بكر بكل ما عنده. فقال:" يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: والله لا أسابقك إلى شيء أبداً" ( صحيح أبي داود للألباني حديث 1472).
يقول عمر هذا الكلام وليس في قلبه شيء؛ لأن المؤمن التقى النقي هو الذي لا يحسد أحداً أبداً على ما أعطاه ربنا المعبود في هذا الوجود، فالمؤمن يغبط ومَنْ في إيمانه خلل يحسد .
وقد أثنى الله – عز وجل – على الأنصار لأنهم لا يحسدون أحداً على نعمة أنعم الله بها عليه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( الحشر: 9 )
ولقد وصف الله تعالى هؤلاء الناس بقوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا } (الحشر:10) .
4- أضرار الحسد:

والحسد من أفعال القلوب؛ لأنه مجرد تمني زوال النعمة عَمَّن حدثت له، أو عدم حصوله عليها، أو الفرح لزوالها عنه، أو الحزن لحصوله عليها، أو الحرص القلبي على عدم حصوله عليها، وكل هذه من أفعال القلوب.
قال ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما - : لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قربت إليه اليهود ، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صلى الله عليه وسلم وعدة من أسنان مشطه ، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صلى الله عليه وسلم وتولى ذلك ابن الأعصم ، رجل من اليهود .
قال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه: لا ريب أن اللَّه سبحانه خَلَقَ في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواص، وكيفيات مُؤَثرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمرٌ مُشَاهَد محسوس. فأنت ترى الوجه كيف يَحْمرُّ حُمْرة شديدة إذا نظر إليه من يستحي منه ويصْفر صُفْرة شديدة عند نظر من يخافه إليه. وقد شاهد الناس من يَسْقم من النظر وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين يُنسبُ الفعل إليها وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح.والأرواح مختلفة طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذًى بَيْنًا، ولهذا أمر اللَّه سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شره، وتأثير الحسد في أذى المحسود أمرٌ لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابلُ المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بذلك الأفعى، فإن السُّمَّ كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما تؤثر في طَمْس البصر.المعاد لابن القيم جـ4 ص166].
فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن الزبير بن العوام  قال:عن الحسن البصري حيث قال ـ رحمة الله عليه ـ: " هلاك الناس من ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص هلاك النفس وبه أُخرج آدم من الجنة، والحسد رائد الشر وبه قتل قبيل أخاه هابيل " .
قال بعض الحكماء : الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه :
أحدها : أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره .
وثانيها : أنه ساخط لقسمة ربه ، كأنه يقول : لم قسمت إلي هذه القسمة .
وثالثها : أنه ضاد الله ، أي : أن فضل الله يؤتيه من يشاء ، وهو يبخل بفضل الله .
ورابعها : أنه خذل أولياء الله ، أو يريد خذلانهم ، وزوال النعمة عنهم .
وخامسها : أنه أعان عدوه إبليس .
وقيل : الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة ، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء ، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً ، وغمًّا ، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً ، واحتراقاً ، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً .
ابن عادل : تفسير اللباب 19/3.
وللحسد آثار وأضرار على الحاسد وعلى المجتمع منها :
1 - حلق الدين :
روى الترمذي عن الزبير بن العوام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تَحْلِقُ الشعر ولكن تحلق الدين». [صحيح الترمذي 2038 وصحيح الجامع (3361) صحيح لغيره).قال المباركفوري : " تَحْلِق الدِّين أي َتَسْتَأْصِلهُ كَمَا يَسْتَأْصِل الْمُوسَى الشَّعْر" عون المعبود 9/297.
2 - انتفاء الإيمان الكامل:
روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ: الإيمان والحسد». [صحيح النسائي 2912] .
وقال صلى الله غليه وسلم(لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم ، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد) رواه ابن حبان والبيهقي و إسناده حسن، وأخرجه النسائي 6/12-13، والطبراني في "الصغير" 410 عن عيسى بن حماد، وأحمد 2/340 عن يونس، كلاهما عن الليث، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم 2/72.

3- ضياع الحسنات :
عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ) (أخرجه أبو داود في السنن: 4/276 رقم (4903) وابن ماجه 2/1408 رقم (4210) إسناده ضعيف فيه عيسى بن أبي عيسى ضعفه أحمد وغيره) .
4 - رفع الخير وانتشار البغضاء في المجتمع:
يقول صلى الله عليه وسلم(لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا) رواه الطبراني. روى الشيخان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللَّه إخوانًا».[البخاري حديث 6076، ومسلم حديث 2559].
ذكر عكرمة هذه القصة التي تبين أن الحسد من الممكن أن يقلب الحقائق ويصير الحق باطلاً والباطل حقاً، قال: كانت القضاة ثلاثة - يعني: في بني إسرائيل - فمات واحد فجعل الآخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملكا على فرس فمر على رجل يسقي بقرة معها عجل، فدعا الملك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله ! عجلي وابن بقرتي، فقال الملك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك.
قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة، فتكلم صاحب العجل فقال له: مر بي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده، قال: ومع الملك ثلاث درات لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة، وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟ فقال: نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له.
فقال صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال: لا أقضي بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضي بيننا؟ فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله !! رجل يحيض !؟.فقال القاضي: سبحان الله ! وهل تنتج الفرس عجلا؟ فقضى لصاحب البقرة.فقال الملك: إنكم إنما ابتليتم، وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك. ( ابن كثير : البداية والنهاية 9/ 274) .
قال الكميت الأسدي:
إن يحسدونني فإني غير لائمهم * * * قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم * * * ومات أكثرنا غيظاً بما يجد
أنا الذي يجدوني في صدورهم * * * لا أرتقي صدراً منها ولا أرِدُ
5 - مقت الناس للحاسد وعدواتهم له:
كما أن الحاسد يغض الناس ويستكثر نعمة الله عليهم ؛ فإن الناس كذلك تبغضه لسوء خلقه وفساد طويته عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ:أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟قَالُوا: بَلَى، إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، قَالَ:أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغُضُونَهُ، قَالَ: أَوَ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ عَثْرَةً، وَلا يَقْبَلُونَ مَعْذِرَةً، وَلا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا، قَالَ: أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ. أخرجه الطبراني (10/318 ، رقم 10775) والحديث فيه ضعف .
قال محمود الورّاق:
أعطيت كل الناس من نفسي الرضا * * * إلا الحسود فإنه أعياني
ما إن لي ذنباً إليه علمته * * * إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلتي * * * وذهاب أموالي وقطع لساني
6 –الغم والهم :
قال السمرقندي : ليس شيء من الشر أضر من الحسد ، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه : غم لا ينقطع , مصيبة لا يؤجر عليها , مذمة لا يحمد عليها , يسخط عليه الرب , تغلق عليه أبواب التوفيق ( الإبشيهي : المستطرف 1/458).
قال ابن المعتز:الحسد داء الجسد. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي:ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت. والحاسد يُقتل غمّاً بصبر المحسود. قال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه. وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم وهمّ لازم وقلب هائم فأخذه بعض الشعراء فقال:
إنّ الحسود الظلوم في كرب * * * يخاله من يراه مظلوماً
ذا نفس دائم على نفس * * * يظهر منها ما كان مكتوماً
قال معاوية رضي الله عنه: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل للمحسود.
قال رجل لشريح القاضي: إني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولاضرني.
وقال علي : لا راحة لحسود ، ولا إخاء لملول .والحسود لا يسود.
قال بعض الحكماء : ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد .
وقال بعضهم : لله درُّ الحسدِ ما أعدلَه ، بدأ بصاحبهِ فقتلَه .
قال الشاعر :
يا حاسداً لي على نعمتي * * * أتدري على من أسأتَ الأدبْ
أسأتَ على الله في فعلهِ * * * لأنكَ لم ترضَ لي ما قسمْ
فأخزاكَ ربي بأنْ زادني* * * وسدَّ عليكَ وجوهَ الطلبْ
قال معاوية لابنه : يا بني ، إياك والحسد ، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك .
وعن سفيان بن دينار : قال قلت لأبي بشر : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ؟ قال : كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً ؟ قال : قلت : ولم ذاك ؟ قال : لسلامة صدورهم .
وشتم رجل ابن عباس ، فقال له:إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله – فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم ، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به – ولعلي لا أقاضي إليه أبداً ، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلداً من بلدان المسلمين فأفرح به ، ومالي به سائمة .
وقال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه ، إلا حاسد نعمة ، فإنه لا يرضيه إلا زوالها ولذا قيل :
كلُّ العداواةِ قد تُرجَى إماتتُها * * * إلا عداوةَ من عاداكَ من حسدِ
قال الشاعر :
وشكوت من ظلم الوشاة ولم أجد *** ذا سؤدد إلا أصيب بحُسَّدِ
لا زلت يا سبط الكرام محسَّداً *** والتافه المسكين غير محسدِ
وقال آخر :
وفي السماء نجوم لا عداد لها *** وليس يخسف إلا الشمس والقمر
قال الجاحظ : ( الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد ويفسد الود ، علاجه عسر ، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض ، وأمر متعذر ، فما ظهر منه فلا يداوى ، وما بطن منه فمداويه في عناء) رسالة الحاسد والمحسود (ص : Cool.
حكي أن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمة وصار يدخل على حريمه من غير استئذان وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده وقال في نفسه إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله فطبخ له طعاما وأكثر فيه من الثوم فلما أكل البدوي منه قال له احذر أن تقترب من أمير المؤمنين فيشم منك فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به وقال يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر وهلكت من رائحة فمه فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة إن يشم منه رائحة الثوم فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح فكتب أمير المؤمنين كتابا إلى بعض عماله يقول فيه إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له امض به إلى فلان وائتني بالجواب فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال أين تريد قال أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل فقال له يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار فقال أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي أفعل قال أعطني الكتاب فدفعه إليه فأعطاه الوزير ألفي دينار وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير فأخبر بأن له أياما ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي في فحضر فسأله عن حاله فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها فقال له أنت قلت عني للناس إني أبخر فقال معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم وإنما كان ذلك مكرا منه وحسدا وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه فقال أمير المؤمنين قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله ثم خلع على البدوي واتخذه وزيرا وراح الوزير بحسده. (ابن حجة الحموي: ثمرات الأوراق 196).
5- علاج الحسد:
قال ابن القيم: يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:
السبب الأول: التعوذ بالله من شره والتحصن به، والالتجاء إليه .
السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه . وقال في حق الصديق يوسف : { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} ( يوسف: 24 ) . وقال النبي  لعبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك،ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك " ( أخرجه الإمام أحمد والترمذي ).
السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً .
السبب الرابع: التوكل على الله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه .
السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه.
السبب السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له .
السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه .
السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه .
السبب التاسع: هو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذى بالإحسان إليه.
قال عز وجل: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{35} وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ( فصلت: 34 – 36 ) .
السبب العاشر : التوحيد الخالص لله . ابن القيم كما في التفسير القيم صـ 585، 594.
علاج الإصابة من الحسد والعين :
1ـ ستر محاسن من يخشى عليه الإصابة بالعين:
قال ابن القيم – رحمه الله – : ومن علاج ذلك أيضاً والاحتراز منه: ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه. كما ذكر البغوى في كتاب ( شرح السنة): إن عثمان  رأى صبياً مليحاً فقال: دَسِّموا نونته، لئلا تصيبه العينثم قال في تفسيره: ومعنى دَسِّموا نونته: أي سودوا نونته، ـ والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير وهي محل الحسن . ( شرح السنة:13/116).
2ـ قراءة فاتحة الكتاب وآية الكرسي:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِىٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
إياك والحسد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتديات الإسلامية :: المنتدى الإسلامي العام-
انتقل الى: